الأميركيتان
محمد مرعي
الثلاثاء 13 كانون الثاني 2026
فنزويلية ترفع رسماً يجسّد مادورو خلال احتجاج مؤيد له في ساحة بوليفار في كاراكاس (أ ف ب)
لم يتأخّر الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، عقب العدوان الخاطف الذي شنّته قواته على العاصمة الفنزويلية، والذي لم يخفِ نيّته الاستيلاء على موارد فنزويلا من ورائه، في إعلان استعداد شركات نفطية أميركية من مثل «شيفرون» و«إكسون موبيل» و«كونوكو فيليبس»، لضخّ عشرات مليارات الدولارات في قطاع النفط الفنزويلي من أجل رفع إنتاجيته والاستفادة من عوائده على المدى البعيد. ودفعت حماسة ترامب هذه، إلى الاعتقاد بأن تحقّق ما يتحدّث عنه أصبح محسوماً، خصوصاً أنه ذكر أن الحكومة الأميركية ستكون «شريكةً» للشركات النفطية في تحمّل الفاتورة الباهظة لإعادة التأهيل تلك.
غير أن اندفاعة ترامب سرعان ما فرملتها تصريحات رسمية صادرة عن وزيرَي الداخلية والطاقة الأميركيين، أكدا فيها أن الحكومة لن تكون شريكة في الاستثمارات، إنما ستكتفي بتأمين أمن وسلامة أيّ استثمار أميركي في قطاع النفط الفنزويلي.
وفي هذا الإطار، قال وزير الداخلية الأميركي، داغ بورغوم، الذي يرأس أيضاً «المجلس الوطني للهيمنة في مجال الطاقة» في البيت الأبيض (أنشأه ترامب في 14 شباط الماضي)، لقناة «بلومبرغ» التلفزيونية، إن «رأس المال سيأتي من الأسواق المالية ومن شركات الطاقة»، مضيفاً: «لا أرى أن هذه الشركات ستحتاج إلى دعم من الولايات المتحدة، بخلاف الأمور المتعلقة بالأمن. إذا تمكنّا من توفير بيئة آمنة ومستقرة، فإن المورد هنا مهم وكبير إلى درجة أنه سيكون جذاباً للناس للدخول فيه وتطويره». أمّا وزير الطاقة، كريس رايت، فقد أشار إلى أن جهات ائتمانية فيدرالية، من مثل «بنك التصدير والاستيراد الأميركي» يمكن أن تقدّم دعماً ائتمانياً للشركات النفطية، مستدركاً بأنه حتى الآن لم تطلب هذه الأخيرة أموالاً مباشرة.
شركات النفط تتأنّى
الاجتماع الذي عقده ترامب مع مديري الشركات النفطية الأميركية، الجمعة الماضي، عكس أجواءً مغايرة لتلك التي حاول الرئيس الأميركي إشاعتها بعد اعتقال مادورو، إذ إن هؤلاء، وإثر إجراء تقييم أولي لحالة قطاع النفط الفنزويلي، ومعرفة حجم المبالغ الطائلة المطلوب دفعها لإعادة تأهيله، بالإضافة إلى تراجع الحكومة الأميركية عن استعدادها لتوفير التمويل من أجل ذلك، فضّلوا التريّث قبل الالتزام بأيّ مشاريع مستقبلية. وفي هذا الإطار، نقلت شبكة «سي أن أن» الأميركية عن الرئيس التنفيذي لشركة «إكسون موبيل»، دارين وودز، قوله بعد الاجتماع، إن النفط الفنزويلي «غير قابل للاستثمار»، وإن «هناك عدداً من الأطر القانونية والتجارية التي يجب وضعها حتى نتمكّن من فهم طبيعة العوائد التي سنحصل عليها».
وطبقاً للمصدر نفسه، فقد أعرب عدة مديرين تنفيذيين آخرين في اللقاء عن تردّد مماثل، محذّرين من أن أي استثمارات ستحتاج أولاً إلى توفير «ضمانات أمنية ومالية واسعة النطاق»، قبل الشروع في جهد طويل الأمد - يستغرق سنوات - لزيادة إنتاج النفط. واعتبرت «سي أن أن» أن ذلك «التقبّل الفاتر» من جانب مديري شركات النفط لمقترحات ترامب، يهدّد بتعقيد خطط الأخير الطويلة الأمد في فنزويلا، والتي تهدف إلى إعادة تشكيل القيادة السياسية واقتصاد الدولة الجنوب أميركية.
على أن الهدف الأهم لترامب من حملة الضغط على شركات النفط للاستعجال في بدء الاستخراج، يتمثّل في زيادة العرض في سوق النفط بهدف خفض أسعاره للمستهلك الأميركي، على حدّ قوله. وهو صرّح بهذه النية خلال اجتماع الجمعة الماضي، حيث نقلت شبكة «بي بي سي» عنه قوله في الاجتماع إن «ما ستجنيه الولايات المتحدة من هذا (رفع إنتاج النفط في فنزويلا) هو انخفاض أسعار الطاقة أكثر من ذي قبل». بيد أن رغبة ترامب المُعلنة تلك، تتعارض مع المصالح القصيرة المدى للشركات النفطية، التي ترى أن زيادة إنتاج النفط في فنزويلا ستكون على نفقتها الخاصة، فيما ستؤدي هذه الزيادة إلى فائض في المعروض، من شأنه تخفيض سعر النفط وبالتالي تقليص أرباحها. وقد يكون هذا الجانب شكّل سبباً رئيساً في تشدّد الشركات النفطية في رفضها الانخراط في عملية مكلفة وطويلة، في انتظار تغيّر ظروف السوق في المستقبل.
تبدو اندفاعة ترامب لتسويق خطته النفطية مرتبطة، حتى الآن، باعتبارات سياسية داخلية
ويأتي هذا بعدما بدا أن ترامب تعمّد، الأسبوع الفائت، التأثير مباشرة في أسعار النفط، وذلك من خلال ما كتبه على منصته «تروث سوشال»، من أنه «ستقوم السلطات بالوكالة في فنزويلا بتسليم الولايات المتحدة ما بين 30 و50 مليون برميل من النفط العالي الجودة والخاضع للعقوبات»، وهي كمية يُقدّر سعرها بـ2.5 مليار دولار. وأضاف ترامب: «سيباع هذا النفط بسعر السوق، وسأدير أنا، بصفتي رئيس الولايات المتحدة الأميركية، تلك الأموال لضمان استخدامها لصالح شعبَي فنزويلا والولايات المتحدة». وبالفعل، انخفضت العقود الآجلة لخام برنت، إثر هذا التصريح، 81 سنتاً - أي بنسبة 1.3% -، إلى 59.89 دولاراً للبرميل، فيما تراجع خام غرب تكساس الوسيط الأميركي دولاراً واحداً، أي بنسبة 1.7%، إلى 56.13 دولاراً للبرميل.
كما أشارت تقديرات محلّلين في مصرف «مورغان ستانلي» الاستثماري، الأسبوع الفائت، إلى أن سوق النفط قد تشهد فائضاً يصل إلى ثلاثة ملايين برميل يومياً في النصف الأول من العام الجاري، وذلك استناداً إلى ضعف نمو الطلب في العام الماضي، وارتفاع المعروض من «منظمة البلدان المصدّرة للبترول» (أوبك) والمنتجين من خارجها.
وعلى أيّ حال، تبدو اندفاعة ترامب لتسويق خطته النفطية مرتبطة، حتى الآن، باعتبارات سياسية داخلية - أكثر منها بحسابات اقتصادية واقعية -، عنوانها تسويق «جدوى» العدوان الذي شنّه على فنزويلا، ولا سيّما في ظلّ حساسية ملف أسعار الوقود في الداخل الأميركي. ومما يدعم ذلك التقدير، أن ترامب يدرك أن زيادة المعروض في السوق ستنعكس سلباً على أرباح الشركات نفسها، ما يجعل الأخيرة أقل استعداداً لتحمّل كلفة مغامرة استثمارية عالية المخاطر، لا تتناسب وخططها الربحية.
وينسحب الأمر نفسه على الداخل الفنزويلي أيضاً، حيث يحاول ترامب التسويق لكون اختطاف مادورو سيفتح الباب أمام «ازدهار نفطي» سريع يعود بالنفع على الشعب، وهو طرح لم يصمد أمام تقييمات الشركات والمؤسسات المالية التي ترى أن إعادة تأهيل قطاع النفط الفنزويلي تحتاج إلى سنوات طويلة واستثمارات ضخمة، لا يمكن تأمينها في ظلّ الواقع الأمني والسياسي المضطرب، حتى الآن، والذي خلّفه العدوان الأميركي على الجمهورية البوليفارية.